كنت دائما أفضل الابتعاد عن تحليل الواقع المهني و ما آلت اليه الأوضاع ، إيمانا مني بقدرة الزمن على تبديد الاختلاف و اختزاله و أن الوقت وحده كفيل بتقريب وجهات النظر ،وكشف صدق التوجهات و ان الامر يتعلق أساسا بأفعال تترتب عنها ردود لا ترقى إلى التنافر فيما هو استراتيجي و جوهري -أي المصلحة العامة للمهنة و المهنيين – بقدر ما هو صراع تاكتيكي نابع من إحساس بالتهميش و الاقصاء في قراءة مغلوطة لنتائج الاستحقاقات مبررا أحيانا بهاجس الانتقائية في التعامل مع بعض الملفات و مغلفا أحيانا أخرى بصراع شرعية التمثيلية المنبثقة تارة من طموحات شخصية ربما تكون مشروعة و نتاج خالص لتحركات مصلحية فردية تارة أخرى.
فلم أكن يوما من مناصري الدفاع الأعمى عن نتائج ما أفرزته صناديق الاقتراع في انتخاب المؤسسات لأنني أؤمن بالآلية الديمقراطية في شقها التشاركي و بالحوار ، وبأهمية دور المعارضة البناءة لا الهدامة و قدرتها على تحفيز و تطوير و تنوير فريق التسيير ، بعيدا عن المنطق الشوفيني و الاعتبارات الذاتية الضيقة وتضخم الأنا والتي لا يمكن إلا أن تبخس منجزات أصحابها وتضفي الاشرعيةعلى تحركات المبادرين بها.
إن المسؤولية الْيَوْمَ و للتاريخ تدفع لامحال المنتسب الغيور ، المناضل الصادق و كذا الأغلبية الصامتة إلى ضرورة وقفة تأمل لتقييم الوضع ومنه محاولة تقويمه.
فطالما كان الأمل و كانت المناداة من داخل فريق التغيير الذي اختار لنفسه هذا الاسم كشعار لخوض الاستحقاقات المهنية و ببرنامج تعاقدي واضح المعالم مع المنتسبين الذي أبدوا جليا ثقتهم بهذا البرنامج و حامليه من خلال النتائج و العمل بلاهوادة لتحقيق المطالَب العادلة و المشروعة للصيادلة و أن يكون الرد على كل الإشاعات و الاكاذيب و العرقلات بالعمل الميداني المفضي إلى تحصين المكتسبات و رفع التحديات بما ينعكس إيجابا على الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية لمنتسبي القطاع ، وغض الطرف و عدم الانجراف إلى حروب كلامية لا تغني ولاتسمن، بقدر ما تعطي صورة سلبيةعن كل المكونات حين نسقط في فخ الإجابة عن الخزعبلات و التفاهات التي تصل إلى حد التنابز بالالقاب و تبادل كيل من الاتهامات و أحيانا إلى السب و الشتم ، فهذا كله لن يفيد الصيادلة بقدر ما يساهم في خدش صورتهم و تحقيرهم من باقي المتدخلين من إدارة و شركاء ……..
فإيمانا منا- و أنا هنا لا أريد تجريح أحد- و بتعبير مجازي أن الجيوش النظامية لم تربح قط عبر التاريخ حروبا ضد عصابات و ميليشيات باعتبار أنها تتحول إلى حرب استنزاف ، تؤرق، تنهك وتضعف الجيش إلا أنها لا تؤثر لا محال عن الآخرين عملا بالمثل الفرنسي –celui qui n’a rien, ne perd rien -.
فمن السهل جدا ان يدعي أحدا امتلاكه للحقيقة أو ان يلعب دور الأستاذ بقلمه الأحمر و يبدع في التسطير عن الأخطاء حتى و إن كان الحال أنه غير قادر على كتابة جملة لأن ببساطة من يعمل يمكن ان يخطأ ، لكن الأساسي و المهم هو العمل ، فمن عمل و أصاب فله أجران ومن عمل ولم يصب فله أجر واحد.
فليس العيب أن نختلف و لكن كل العيب أن لا نكون قادرين على تدبير اختلافنا .
فالمنطق يقتضي أن لا يختلف عاقلان حول الأولويات و كذا حول الخطوط الحمراء الغير ممكن تجاوزها لكن الضرورة تقتضي تحديدإطار الاشتغال ورص قواعد نظيفة للعب ، فلا أودّ أن أدخل في تفاصيل تقنية يجب أن تكون موضوع إجماع :
– جهوية المجالس و تنزيلها 
– التغطية الصحية للمهنيين 
– الحفاض على وعاء الصرف وتوسيعه
– حق الاستبدال
– دستور الأدوية
– مراجعة النظام الضريبي بخصوص T3,T4.
لكن جميع المؤشرات وللأسف الشديد تعد بتعميق الجراح و بسنة ساخنة ستعرف مدّا وجزرا بين جميع المتدخلين و كذا بمفاوضات عصيبة يجب أن نكون فيها كصيادلة أصحاب الصرف جد حذرين و يقظين و متميزين في طروحاتنا وتنسيقاتنا لتمرير ما يرجع على المهنيين بالفائدة.
يجب أن يعي الجميع أن المهنة في حاجة لكل أبناءهالأنني لا أخون أحدا ،كل من موقعه، فالتاريخ يسجل النجاحات و يذكر الإخفاقات و المدخل الأساسي هي مؤسسات قوية قادرةعلى الإبداع وحاملةلفكر و تصورات واضحة بكاريزمات يسمح لها تاريخها النظيف و حاضرها و لها من المؤهلات ما يفرض على المخاطب احترامها و لها من حس المسؤوليةو التجربة التكوين ما يفرض علينا مساندتها و تحصينها.
فاليوم و أكثر من أي وقت مضى يجب الالتفاف حول المؤسسات من مجلس وطني و فيدرالية وطنية و محاسبتهم في الوقت المناسب و المحدد قانونا للمساءلة و مناقشة التقريرين الأدبي و المالي . أما للزملاء الآخرين فلا أعراف و لا قانون ولا منطق يعطيكم حق التشويش و تغليط الرأي العام الصيدلاني عبر تزييف الوقائع أوطمس الحقائق أو أحيانا تزويرها لأن المصلحة العامة ليست مجالا للمزايدةأو حقلا للاستقطاب الأنصار كما أن العدل و القانون يكفل لكم حق المعارضة بأساليب حضارية ، ديمقراطية و مشروعة.
سنة سعيدة وكل عام و أنتم بألف خير .
التوقيع: ه. العلمي